عبد الله بن أحمد النسفي

144

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) 23 - وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ في هؤلاء الصمّ البكم خَيْراً صدقا ورغبة لَأَسْمَعَهُمْ لجعلهم سامعين ، حتى يسمعوا سماع المصدّقين وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا عنه ، أي ولو أسمعهم وصدّقوا لارتدوا بعد ذلك ولم يستقيموا وَهُمْ مُعْرِضُونَ عن الإيمان . 24 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ وحّد الضمير أيضا ، كما وحّده فيما قبله لأنّ استجابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كاستجابته ، والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال وبالدعوة البعث والتحريض لِما يُحْيِيكُمْ من علوم الديانات والشرائع ، لأنّ العلم حياة كما أنّ الجهل موت ، قال الشاعر « 1 » : لا تعجبنّ الجهول حلّته * فذاك ميّت وثوبه كفن أو لمجاهدة الكفار لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم ، أو للشهادة لقوله تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 2 » وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكّن من إخلاص القلب ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة اللّه ورسوله ، أو بينه وبين ما تمنّاه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ واعلموا أنكم إليه تحشرون فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة . 25 - وَاتَّقُوا فِتْنَةً عذابا لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً هو جواب للأمر ، أي إن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمّكم ، وجاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر لأنّ فيه معنى النهي ، كما إذا قلت انزل عن الدابة لا تطرحك ، وجاز لا تطرحنّك ، ومن في منكم للتبعيض وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب .

--> ( 1 ) لم أصل إلى قائله . ( 2 ) آل عمران ، 3 / 169 .